محمد متولي الشعراوي
3081
تفسير الشعراوى
إننا نعرف أن النداء يكون ب « يا » فكيف ننادى الويل والهلاك ؟ وهل ينادى غير العاقل ؟ نعم ، ينادى ؛ لأنه ما دام « الويل » و « الويلة » : الهلاك . كأنك تقول : أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم ، ولا يخلصني فيه إلا الهلاك ، يا هلاكى تعالى فهذا وقتك ! إذن فقوله : « يا ويلتي » يعنى يا هلاك تعال ، والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا فأي داء هذا الذي تقول فيه : يا رب أرحنى بالموت ! ! إذن فالذي يراه من ينادى الهلاك هو أكثر من الموت . المعنى الأول : أنك تنادى الهلاك أن يحضر ؛ ولذلك يقول الحق : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ( من الآية 49 سورة الكهف ) إنهم يتمنّون الموت ؛ وكذلك قال قابيل : « يا وَيْلَتى » . وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها ؟ لا ، فقد انتهت المسألة وصار قاتلا لأخيه . والمعنى الثاني : أن تأتى « يا ويلتنا » بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب ، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المسبّب . فلو ظل عطاء الأسباب هو المتحكّم في نواميس الكون ، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة ، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول : لا . فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب ، وهي تأتى لتثبيت ذاتية القدرة وقيّوميّتها ، فيقول الحق حينما يشاء : توقفى يا أسباب . إذن فهناك أسباب وهناك مسبّب . والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب . وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان ، ولذلك يردّ الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه . وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السّلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام